محمد هادي معرفة
441
التمهيد في علوم القرآن
ورجع أخيرا إلى ما بدأ به أولا ، ولكن في صورة أعمّ وأشمل ، فكأنما الناس جميعا هم الحضور المخاطبون بهذا الكلام العام . قال ابن الأثير : إنما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة بهذا الشكل البديع لفائدة كبرى ، هي : أنه ذكر لغيرهم حالهم ، ليعجبهم منها كالمخبر لهم ، ويستدعي منهم الإنكار عليهم . ولو قال : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم . . . الخ ، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة . وليس ذلك بخاف على نقدة الكلام « 1 » . وممّا ينحو هذا النحو قوله تعالى : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ ويستمرّ الحديث عنهم بخطاب الغيبة ، وينتهي إلى قوله : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ « 2 » . الأصل في « تقطّعوا » تقطّعتم ، إلّا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، كأنّه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ، ويقبّح عندهم ما فعلوه ، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللّه ، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا ! وذلك تمثيل لحالة اختلافهم في الدين ، وتباينهم في معرفة الصلاح من الفساد ، ثم توعّدهم أخيرا بأنّ المرجع إليه ، وسوف يجازيهم على أعمالهم ، وهو شديد العقاب . وممّا يجري هذا المجرى قوله تعالى :
--> ( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 181 . ( 2 ) الأنبياء : 92 - 98 .